أبو نصر الفارابي

109

الجمع بين رأيي الحكيمين

وذلك في كتابه المعروف « باثولوجيا » ، حيث يقول : « اني ربما خلوت بنفسي كثيرا ، وخلعت « 246 » بدني ، فصرت كاني جوهر مجرد بلا جسم ؛ فاكون داخلا في ذاتي وراجعا إليها ، وخارجا من سائر الأشياء سواي ؛ فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا ، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء ما بقيت « 247 » متعجبا . فاعلم عند ذلك ، اني من العالم الشريف جزء صغير ؛ فاني « 248 » لمحيّا فاعل ؛ فلما أيقنت بذلك ترقّيت بذهني من ذلك العالم إلى العالم « 249 » الإلهي ، فصرت كأني هناك متعلق بها ؛ فعند ذلك يلمع « 250 » لي من النور والبهاء ما يكلّ الألسن عن وصفه ، والاذان عن سمعه « 251 » ؛ فإذا استغشي في ذلك النور وبلغت طاقتي ، ولم اقو على احتماله ، هبطت إلى عالم الفكرة ؛ فإذا صرت إلى عالم الفكرة « 252 » ، حجبت عني الفكرة ذلك النور ، وتذكرت ، عند ذلك ، أخي يرقليطوس « 253 » ، من حيث امر بالطلب والبحث عن جوهر النفس الشريفة بالصعود إلى عالم العقل » . - هذا في كلام له طويل ، يجتهد فيه ويروم بيان هذه المعاني اللطيفة ؛ فيمنعه العقل الكياني « 254 » عن ادراك ما عنده وايضاحه . فمن « 255 » أراد ان يقف على يسير ما أومئوا اليه ، فان الكثير منه عسير وبعيد . فليحفظ ما ذكرناه بذهنه ، ولا يتبع الالفاظ متابعة تامّة ، لعله يدرك بعض ما قصد بتلك الرموز والالغاز . فإنهم قد بالغوا واجتهدوا ، ومن بعدهم إلى يومنا هذا ، ممن لم يكن قصدهم الحق ؛ بل كان كدّهم العصبية وطلب العيوب ؛ فحرفوا وبدلوا ، ولم يقدروا ، مع الجهد والعناية « 256 » والقصد التامّ ، على الكشف والايضاح . فانّا ، مع شدة العناية بذلك ، نعلم انّا لم نبلغ من الواجب فيه الّا « 257 » أيسر اليسير ، لان الامر في نفسه صعب ممتنع جدا .

--> ( 246 ) « ا » « ب » ببدني ؛ « د » بدني . ( 247 ) « ا » بقيت ؛ « ب » ابهت . ( 248 ) « ا » « ب » لمحتوي ؛ « د » لمحيا . ( 249 ) « ب » ناقص [ إلى العالم ] . ( 250 ) « ا » يبلغ ؛ « ب » يلمع . ( 251 ) « ب » ناقص [ فإذا صرت إلى عالم الفكرة ] . ( 252 ) « ب » ناقص [ فإذا صرت إلى عالم الفكرة ] . ( 253 ) « ا » « ب » ارقليطوس ؛ « د » يرقليطوس . ( 254 ) « ا » الكياني ؛ « ب » الكتابي . ( 255 ) « ا » فمتى ؛ « ب » فمن . ( 256 ) « ا » والعناد ؛ « ب » والعنا ؛ « د » والعناية . ( 257 ) « ا » « ب » ناقص [ الا ] .